محمد رأفت سعيد

37

تاريخ نزول القرآن الكريم

الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) [ الإسراء ] . ويتضح لنا من هذا العرض القرآني الكريم للتنزيل وما يتعلق به كيف كانت مسيرة الوحي لهداية العالمين في هذا النور ، وفي الطريق الأمين حتى تنزل على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ وكيف هيئت النفوس لاستقبال هذا النور والانتفاع به ، وجنى ثمراته في النفس والقلب والسلوك وشؤون الحياة جميعا ؟ فما ذا بعد ذلك من تنزلات القرآن الكريم ؟ إن المتأمل في النصوص القرآنية السابقة يرى أن نزول القرآن الكريم عبر عنه في آيات بقول الله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) [ القدر ] ، وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] وكذلك قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] فيفهم من ذلك أن القرآن نزل كله في الليلة المباركة وفي الشهر المبارك . فإذا قرأنا قوله تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [ الإسراء : 106 ] وكذلك قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ثم واقع نزول القرآن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مدة ثلاثة وعشرين عاما ، دل ذلك على نزول القرآن الكريم على فترات ، فكيف يكون التوجيه في ذلك ؟ إن الوقوف على تنزلات القرآن الكريم الثلاثة يبين لنا هذا . التنزل الأول : إلى اللوح المحفوظ ودليل ذلك قوله جل شأنه : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) [ البروج ] . واللوح المحفوظ هو السجل الجامع لكل ما قضى الله وقدّر وكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين ، وهذا من مظاهر قدرة الله وعظمته وعلمه وإرادته وحكمته وواسع سلطانه وقدرته ، وهذا يبعث على الرضا ويغرس السكينة في مواجهة ما يصيب الإنسان ، قال تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) [ الحديد ] . التنزل الثاني : إلى بيت العزة في السماء الدنيا والذي جاء فيه قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) [ القدر ] وقوله جل شأنه : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] . وهذا التنزل بهذا المعنى يذهب التعارض بين النزول جملة والنزول على الرسول مفرقا ، وقد جاءت الروايات بما يؤيد هذا الاتجاه فقد أخرج الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس